محمد بن جرير الطبري
575
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
إلى زوجها دارا الأكبر ، فلما وجد نتن ريحها وعرقها وسهكها ، امر ان يحتال لذلك منها ، فاجتمع رأى أهل المعرفة في مداواتها على شجره يقال لها بالفارسية سندر ، فطبخت لها فغسلت بها وبمائها ، فاذهب ذلك كثيرا من ذلك النتن ، ولم يذهب كله ، وانتهت نفسه عنها لبقية ما بها ، وعافها وردها إلى أهلها ، وقد علقت منه فولدت غلاما في أهلها ، فسمته باسمها واسم الشجرة التي غسلت بها ، حتى أذهبت عنها نتنها : هلاى سندروس ، فهذا أصل الإسكندروس . قال : وهلك دارا الأكبر ، وصار الملك إلى ابنه دارا الأصغر ، وكانت ملوك الروم تؤدى الخراج إلى دارا الأكبر في كل سنه ، فهلك أبو هلاى ملك الروم جد الإسكندر لامه ، فلما صار الملك لابن ابنته بعث دارا الأصغر اليه للعادة : انك أبطأت علينا بالخراج الذي كنت تؤديه ويؤديه من كان قبلك ، فابعث إلينا بخراج بلادك والا نابذناك المحاربة فرجع اليه جوابه : انى قد ذبحت الدجاجة ، واكلت لحمها ، ولم يبق لها بقية ، وقد بقيت الأطراف ، فان أحببت وادعناك ، وان أحببت ناجزناك فعند ذلك نافره دارا وناجزه القتال ، وجعل الإسكندر لحاجبى دارا حكمها على الفتك به ، فاحتكما شيئا ، ولم يشترطا أنفسهما ، فلما التقوا للحرب ، طعن حاجبا دارا دارا في الوقعة ، فلحقه الإسكندر صريعا ، فنزل اليه وهو باخر رمق ، فمسح التراب عن وجهه ووضع رأسه في حجره ، ثم قال له : انما قتلك حاجباك ، ولقد كنت ارغب بك يا شريف الاشراف وحر الأحرار وملك الملوك ، عن هذا المصرع ، فأوصني بما أحببت فأوصاه دارا ان يتزوج ابنته روشنك ، ويتخذها لنفسه ويستبقى أحرار فارس ، ولا يولى عليهم غيرهم فقبل وصيته وعمل بأمره ، وجاء اللذان قتلا دارا إلى الإسكندر فدفع إليهما حكمهما ، ووفى لهما ثم قال لهما : قد وفيت لكما كما اشترطتما ولم تكونا اشترطتما أنفسكما ، فانا قاتلكما ، فإنه ليس ينبغي لقتله الملوك ان يستبقوا الا بذمه لا تخفر فقتلهما